الشيخ محمد رشيد رضا
118
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
من رؤية من يسمونهم الوسطاء للأرواح وتجسدها وتلقيهم عنها هل هو صحيح كما يقولون أو خداع كما يقول المنكرون عليهم « 1 » وغرضنا من ذكر هذا ان أمثال هذا العالم المخترع الكبير يرى أن ذلك جائز ممكن وإن لم يثبت عنده أنه وقع بالفعل . فأين هذا ممن يكفرون بالبعث تقليدا لأمثال هؤلاء لظنهم أنهم يعدون هذا محالا لا يمكن تحققه ، وإذا كان هذا جائزا ويرى أكبر علماء المادة أنه يمكن وصولهم اليه فعلا فهل يعجز عنه خالق البشر وكل شيء ( سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ ؛ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ) هذا وان كلمة ( تُوعَدُونَ ) مضارع مجهول لوعد الثلاثي الذي غلب استعماله في الخير والنفع وهو في أصل اللغة وفي استعمال الآن شامل لهما - ولأوعد الرباعي الخاص استعماله في الشر أو الضر ، ورجح الثاني في الآية لان الخطاب في انذار الكافرين ونفي الاعجاز فيه للتهديد ، وهو ظاهر ما جرى عليه جمهور المفسرين قال الرازي وفيه احتمال آخر وهو أن الوعد مخصوص بالاخبار عن الثواب ، وأما الوعيد فهو مخصوص بالاخبار عن العقاب فقوله ( إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ ) يعني كل ما تعلق بالوعد والثواب فهو آت لا محالة فتخصيص الوعد بهذا الجزم يدل على أن جانب الوعيد ليس كذلك . ويقوي هذا الوجه آخر الآية وهو أنه قال ( وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ) يعني لا تخرجون عن قدرتنا وحكمنا . فالحاصل أنه لما ذكر الوعد جزم بكونه آتيا ، ولما ذكر الوعيد ما زاد على قوله ( وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ) وذلك يدل على أن جانب الرحمة والاحسان غالب . اه ونقول إن هذا يصلح أن يكون من الأوجه التي أوردها العلامة ابن القيم في ترجيح فناء النار ولكننا نراه ضعيفا وإن كنا نقول بأن جانب الرحمة والاحسان سابق وغالب في أفعال اللّه تعالى في الدنيا والآخرة ، ووجه ضعفه أن المقام مقام الوعيد والتهديد للكفار وأن اللفظ ليس نصا في الوعيد كما أن الوعد ليس خاصا بالثواب كما تقدم ومن استعماله في العقاب قوله تعالى ( قُلْ أَ فَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ ؟ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) وقوله ( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ ) * * * وقد ختم اللّه هذا الوعيد والتهديد بقوله لرسوله قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ
--> ( 1 ) نشرنا مقالا فيما روى عنه في هذا الامر فينظر في الجزء الرابع من المجلد 21 من المنار